أشياء صغيرة

September 10, 2006 at 1:24 pm (Fragments, Pipedreams, دخان)

هناك مزية واضحة لتكرار الأيام..

يغدو سهلاً أن تلحظ الفوارق بين التكرارات اليومية..

يوم الأحد مثلاً, هذا الأحد مماثل تماماً للأحد الماضي, نفس الجدول, نفس الخطوط العريضة, نفس حالتي المزاجية العامة, ولكن هناك أشياء صغيرة تختلف

قهوتي اليوم كانت أكثر مرارة.. أم أن المرارة كانت في فمي؟

السجائر ليست بسحرها المعتاد, لعله البرد مرة أخرى

لم تكن سيارتي بنفس نظافة الأسبوع الماضي

الصخب اليومي في المذياع لم يكن موسيقى أعشقها تحملني لشتاء مضى في سيناء, بل كانت نفس الموسيقى الراقصة التي مزجتها بالكحول وصورتها على أمل أن تتلاشى,

أشياء صغيرة

كل شيء يمكن أن يحلل لأشياء أصغر منه.. وهكذا تتضاءل الموجودات حتى تصير المعاني المجردة مجرد تداعيات لأشياء صغيرة غير مترابطة في ظاهرها

  لم لا يكون هذا الترابط الغريب بين الأشياء الصغيرة هو المعنى ذاته؟

فيكون الحب هو نظراتها القططية الحذرة حين لا تعرف فيم أفكر, أو سذاجتها حين تتذاكى علي, أو ضحكتها المجلجلة البريئة حيناً والماجنة حيناً

ويكون حزني في كل مرة أرى فيها شحاذ شارعنا الصغير هو أنه يشبهني في صغري وليس لأي اعتبارات إنسانية أعمق

ويكون عشقي للون الأسود هو كراهيتي الشديدة للأبيض في المستشفى والضمادة وشحوب الموتى والكفن 

إن كان كل شيء يحلل لأشياء صغيرة, كلها تتلاقى في ذاكرتنا وشخصياتنا ومفاهيمنا الذاتية عن الأشياء, أفلا يعني هذا أننا لا ندرك العالم من خلال أنفسنا؟

إذن فقد أحببت نفسي فيك وكرهتها, وبحثت عن نفسي في رؤوس كتاب النظريات وصلوات المؤمنين واستطراد الحشاشين بين خلق الدخان الأزرق والتكوين

واليوم, مازلت أجد نفسي وأفقدها بين الفينة والفينة

في تداعيات الأشياء الصغيرة

Advertisements

Permalink 9 Comments

كان يمشي في دوائر

September 10, 2006 at 1:23 pm (Fragments, People, دخان)

كانت أمه تجلس على الرصيف, تتابع بعينيها أحذية العابرين, وتتحدث مع بائع جائل في شارعنا

تعرف متى ترفع صوتها بضحكة مجلجلة ولا تكترث.. حين يكون الحذاء العابر رثاً بالياً لا ينتظر من صاحبه شيء, ومتى ترفع عينيها برقرقة دمعية وانكسار في الصوت والنفس والتكوين, حين تشي خطوات العابر بما هو أكثر من اتجاهه.

أخذت أرقبها أثناء انتظاري لدوري أمام كشك السجائر.. حين لاحظت ابنها.

كان طفلاً جميلاً في الثالثة أو الرابعة, يسلي نفسه بالمشي في دائرتين متماستين, الرمز الرياضي للانهاية, ودون أن يخطىء في عكس الاتجاه عند المماس لمرة واحدة.

فكرت أنه طفل ذكي, أطفال كثيرون لا يعرفون إلا اتجاهاً واحداً لرسم الدائرة حتى سن السادسة, ثم عزوت ملاحظتي السخيفة لكوني مهندس يبحث عن الأنماط في أي شيء.

اقتربت منه, كان ظهر أمه لي فلم تلحظني, ثم قطعت حديثها المرح وارتدت زي العمل حين انحنيت على طفلها.. فكرت في من في مثل سنه من الأوغاد الأغبياء الصغار الغارقين في ألعابهم ودراجاتهم وتدليل آلهم, وهذا الصغير لا يجد ما يفعله سوى المشي في دوائر..

أعطيت أمه بعض النقود وأعطيته قطعة من الحلوى.. حملها ونظر إلي ثم عبث في طيات ثيابه وأعطاني جنيهاً بالياً يبدو أنه حصل عليه من عابر آخر..

لم أعرف ماذا أفعل.. رددته إليه.. وحين نهضت لكمت الحائط حتى لا أنفجر باكياً.

Permalink 9 Comments